الاخبار: ابراهيم الأمين السبت 7 تشرين الثاني 2026
الأخبار الواردة من العاصمة الأميركية مثيرة حقاً. صباح الثلاثاء، قال صحافيون في البيت الأبيض إنّ يومهم سيكون عصيباً. فقد سرت معلومات عن أنّ الرئيس دونالد ترامب سيخرج كل نصف ساعة بتصريح أو موقف، وأن قيادات بارزة في الحزب الجمهوري، توافد بعضها إلى المكتب البيضاوي في اليوم السابق، تستعد بدورها لإطلاق سلسلة من المواقف والتسريبات.
لكنّ الصحافيين كانوا يبحثون عن سبل لاستطلاع مواقف مسؤولين بعينهم. وأفاد بعضهم بأنّ أكثر من كان يراقب الانتخابات لم يكن ترامب نفسه، بل نائبه جي دي فانس، يليه وزير الخارجية ماركو روبيو. أما بقية العاملين في البيت الأبيض، فكان شاغلهم الأساسي كيفية التعامل مع نوبات الغضب المتوقعة من الرئيس.
وفي ساعات الذروة، كانت الحركة لا تهدأ، مع دخول المسؤولين وخروجهم. وبحسب شهادة أحد الضيوف، تجمّعت جوقة كبار المساعدين والمسؤولين في القاعة الشرقية، التي تتّسع للحفلات والحشود الكبيرة، وتُستخدم أحياناً كغرفة عمليات. وكان بعض الحاضرين يتلقّى تباعاً نتائج نسب التصويت، ولم يمضِ وقت طويل بعد إقفال صناديق الاقتراع قبل أن يتبلّغوا تقدّم الديمقراطيين بقوة في مختلف المناطق.
ومع مرور الوقت، يضيف الشاهد - الزائر، بدأ بعض الحاضرين يسترقون السمع، فيما راحت الأنظار تترصّد حركة الداخلين إلى القاعة الشرقية والخارجين منها. وكان جمع كبير قد احتشد حول الرئيس، ضمّ نائبه فانس، ووزير الخارجية روبيو، وأركان الإدارة، والمدعي العام تود بلانش، إلى جانب أفراد دائرته المقرّبة، من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى توم برّاك، ومسؤولي لجان الحملات السياسية.
مرّ الوقت سريعاً، ومع حلول المساء، وصلت الإحاطة الأهم بشأن نسب التصويت والتقديرات المستندة إلى استطلاعات غير رسمية للناخبين. لم يكن أحد يتوقع فوزاً، لكن الصدمة تمثّلت في أنّ حجم الخسارة تجاوز التوقعات. بدأ المسؤولون يغادرون البيت الأبيض تباعاً، فيما بقي الرئيس وحيداً، صامتاً وقليل التواصل مع المحيطين به. وبينما كان فريق إعداد الطعام منشغلاً بتحضير مائدة كبيرة، غادر الرئيس القاعة وانتقل إلى مقر إقامته في طابق آخر. انسحب الجميع، ولم يبقَ إلى جانبه سوى ناتالي هارب، مساعدته الرئيسية، التي ظلت تحمل هاتفه وتنقل إليه مراسلات عاجلة من وزارتي العدل والداخلية بشأن سلامة عملية الاقتراع. ويُرجّح أنّها أدّت دوراً في الحؤول دون وصول الصحافيين إلى الرئيس، خشية أن يدلي بمواقف تزيد في الطين بلة. هذه الصورة القاتمة لما كان عليه المشهد في البيت الأبيض اختصرها تقرير لـ«نيويرك تايمز»، التي نقلت عن بعض الحاضرين وصفهم الوضع بأنه «أشبه بجنازة».
صباح الأربعاء، عاد الجميع إلى البيت الأبيض، حيث عُقدت جولة أولى من المشاورات. وبحسب الشاهد الزائر، كان بعض الحاضرين يريدون أن يمضي ترامب يومه من دون إطلاق تصريحات مفاجئة. وقد التزم الرئيس نصيحة بعدم اتهام الديمقراطيين بتزوير الانتخابات، لكنه اختار إلقاء اللوم على قيادات حزبه، معتبراً أنّهم لم يبذلوا جهوداً كافية لمواجهة «الحملة الزرقاء».
غير أنّ النقاش الفعلي كان يدور في غرفة أخرى، حيث أصرّ فانس على ضرورة الخروج بموقف واضح، لا لتهنئة الفائزين، بل للإقرار أولاً بنتائج الانتخابات، ثم تقديم قراءة لأسباب الهزيمة من وجهة نظر البيت الأبيض. وما أورده فانس في تغريدته كان قد سمعه كل من كان موجوداً في البيت الأبيض. وقيل إنّه حرص على حضور منافسه روبيو، إذ لم يكن يفكر في تلك اللحظة في انعكاسات النتائج على صورة الإدارة برمّتها بقدر ما كان منشغلاً بتداعياتها على وضع الحزب الجمهوري.
لم تترك إيران فرصة لمنح ترامب أي مكسب يفيده انتخابياً، وثأرها بدأته في تل أبيب وواشنطن، ولا تجد نفسها مضطرة لأي تنازل، حتى ولو كانت الحرب خيار الآخرين
وبعدما تبنّى مقرّبون من ترامب ما قاله فانس، آثر روبيو الابتعاد عن المشهد، معلناً أنّه غير معني بملف الحرب. وكان موقفه، عملياً، بمثابة ردّ على فانس: الملف عندك، وأنت المسؤول عمّا آلت إليه الأمور. لكنّ نائب الرئيس الأميركي لديه رواية أخرى لدور روبيو؛ فهو يتهمه بقيادة جبهة معارضة، وإفشال مذكرة التفاهم المتعلقة بمضيق هرمز، بعدما منع دول الخليج من الموافقة على أحد بنودها، ثم حال دون توجهها إلى مسقط للمصادقة على ورقة اتفاق أعدّها الإيرانيون بالتعاون مع سلطنة عُمان، لوضع آلية لتنظيم الملاحة في المضيق. ولا يتوقف الخلاف عند هذا الحد. فقد لمس فانس، خلال المفاوضات، إصرار إيران على أن يكون لبنان مشمولاً بأي اتفاق. لكنه لاحظ، في المقابل، أنّ روبيو عمل على إحباط النقاش في هذا الشأن، بعدما أطلق مشروعه للتفاوض الإسرائيلي - اللبناني المباشر.
موقف فانس لم يكن مراجعة لما جرى بقدر ما كان إعلاناً عن عنوان معركته المقبلة. فقد ذهب أبعد من ذلك، محمّلاً ترامب مسؤولية الخسارة. وجاء كلامه رداً مباشراً على انتقاد ترامب ما وصفه بكسل الجمهوريين، وقوله إنّ التصويت كان سيأتي بنتيجة مختلفة لو كان هو المرشح. في المقابل، جاء موقف فانس صادماً: لم يتخلّف الجمهوريون عن صناديق الاقتراع، بل توجّهوا إليها بكثافة، لكنّهم صوّتوا لخصومنا بسبب سياساتك العامة من جهة، وبسبب نوعية المرشحين الذين دعمتهم.
ولم يكن فانس يستند فقط إلى ما كان يتردّد في الدوائر الضيقة للحزب الجمهوري، بل استفاد أيضاً من المعطيات التي وضعها أمامه جيمس بلير، رجل الانتخابات في البيت الأبيض. وكان ترامب قد منحه إجازة في نيسان الماضي، لينتقل من مكتب رئيسة الموظفين ويتفرّغ للحملة الانتخابية. وفي الأيام الأخيرة، لم يُخفِ بلير ملاحظاته خلال الإحاطات، وقبل نحو أسبوع من «الثلاثاء الأزرق»، قال بوضوح: «الوضع يسوء يوماً بعد يوم». وعندما سأله فانس عن الأسباب، تحدّث بلير عن «أخطاء في الحملات الانتخابية وفوضى في إنفاق الموازنات»، قبل أن يفاجئ ترامب بالقول: «الحرب مع إيران تحوّلت إلى عبء ثقيل، وقد تتسبب لنا بهزيمة كبيرة».
على المقلب الآخر من العالم، كان الإيرانيون قد أقاموا غرفة عمليات لمتابعة الانتخابات الأميركية، كأنهم طرف مشارك فيها، ويراجعون نسب التصويت ويدقّقون في الأخبار الواردة من الولايات كافة. وقبل أشهر من الانتخابات، دار في إيران نقاش واسع حول كيفية التعامل مع الاستحقاقين في الولايات المتحدة وإسرائيل. وظهرت آراء تدعو إلى استغلال الفرصة لانتزاع تنازلات جديّة من ترامب، لكنّ القرار في طهران كان شديد الصرامة: سنعمل بكل قوتنا على إسقاط الرجلين معاً. ترامب في أميركا ونتنياهو في إسرائيل.
وكان كثيرون يفترضون أنّ إيران تتصرف بتوتر، وأنّ نزعة الثأر لديها تتقدّم على الحسابات السياسية. وهذا ما كان يراه وسطاء تقدّموا باقتراحات ومبادرات لتقليص الهوة مع الأميركيين. لكنّ المفاوض الإيراني كان ينتقل من جولة إلى أخرى حاملاً مزيداً من المطالب والنقاط التي تستهدف انتزاع مكاسب واضحة. وكانت طهران تدرك أنّ ترامب لن يقبل بشروطها، لكنها، في الوقت نفسه، ظلت تتحسّب لاحتمال أن يبادر «مجنون العالم» إلى إطلاق جولة حرب واسعة، رغم أن الأخير أرسل عبر الوسيط القطري بأن لا حرب قبل الانتخابات في أميركا، وأن إسرائيل لن تبادر إلى شنّ حرب لوحدها.
لكنّ إيران كانت قد فقدت ثقتها بصورة كاملة، وأبدت لامبالاة واضحة إزاء التهديدات. وكان هدفها إفهام الوسطاء أولاً، ومن يقف خلفهم تالياً، أنّها لن تقبل بأقل من هزيمة واضحة لترامب ونتنياهو، وأنّها غير معنية بالمخارج الدبلوماسية التي تتحدث عن «حفظ ماء الوجه» و«عدم الحشر في الزاوية» وسواها من التعابير. حتى عندما أبلغت قطر أنّها حصلت على موافقة أميركية للإفراج عن نحو عشرة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، لم يبدِ الإيرانيون أي اكتراث. بل عادوا إلى طرح المبادئ الأساسية: على الولايات المتحدة إخراج قواتها من المنطقة، وتقديم ضمانات بوقف الحرب، والضغط على حليفتها إسرائيل للانسحاب من لبنان، وترك إدارة الملاحة في الخليج لدول المنطقة، بعد رفع الحصار والعقوبات.
فانس أطلق شرارة الحرب داخل الحزب الجمهوري، وصحوة الحزب الديمقراطي قد لا تدوم طويلاً، بينما تشتعل النيران بين أرجل قيادات البيت الأبيض خشية من الأسوأ
وكان الإيرانيون يدركون أنّ تركيز ترامب على الملف النووي يستهدف الحصول على عنوان دعائي يوظّفه في الداخل الأميركي. لذلك، ردّت طهران فوراً، علناً وعبر الوسطاء، بأنّ الملف النووي يمكن أن يكون مادة للتفاوض في مرحلة لاحقة، لكنه ليس مطروحاً للبيع. فالبرنامج لن يتوقف تحت أي ظرف، ولملف اليورانيوم المخصّب تسوية ممكنة داخل إيران. وإذا كان ترامب يريد انتزاع خطوة في هذا الاتجاه، فلا مانع لدى طهران، لكن عليه أن يدفع الثمن مسبقاً. وفجأة، طرح الإيرانيون مطلباً من خارج سياق المفاوضات، صدم الوسطاء: أن يوافق ترامب على انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان وجنوب سوريا، مقابل أن تردّ طهران التحية بأفضل منها في الملف النووي.
توجد في طهران شمبانيا، لكن ليس في مقارّ قادة الدولة والجيش والحرس. فهؤلاء لهم طقس آخر للاحتفال بالانتصارات، يقوم على رفع الصلوات عند تحقيق أي فوز. وبينما كان ترامب يخلد إلى النوم مثقلاً بهزيمة لها أسبابها الأميركية الداخلية العميقة، كان في طهران من يشكر الله على ما جرى. لكنّ من بيده القرار كان يصدر الأوامر برفع الجاهزية وإعلان الاستنفار. ذلك أنّ رجلين تصرّفا بحماقة كبرى، وها هما يحصدان الخيبة، لكنهما ينتميان إلى فئة قد يلجأ أحد أفرادها إلى تفجير نفسه كي لا يقرّ بالهزيمة!
ثمة متغيرات كبيرة تشهدها الساحة الداخلية الأميركية. صحوة مفاجئة في الحزب الديموقراطي، الذي بدأ ينهار مع خروج باراك أوباما من البيت الأبيض، ثم ازداد ترهّلاً وثقل حركة في عهد جو بايدن. لكنّ الحزب الأزرق لا يملك ضمانة الاحتفاظ بما حققه في هذه الانتخابات. فالكل يعرف أنّ الذين خسرهم ترامب لا يحبّون بالضرورة الحزب الديموقراطي، لكنهم يحتجّون على زعيم خذلهم بعدما وعدهم بالتركيز على أميركا من الداخل، فإذا به يأتيهم بالمصائب تلو المصائب. وكان ذلك بمثابة زلزال أصاب الحزب الجمهوري بقوة.
في اليوم الأخير من الشهر الماضي، وقبل ثلاثة أيام من موعد الانتخابات، أجرت صحيفة «فايننشال تايمز» مقابلة مع «الأب الروحي والمنظّر الأيديولوجي» لحركة «ماغا»، ستيف بانون. الرجل الذي مهّد الطريق أمام ترامب سابقاً، كان يتوقع هزيمة مدوّية. وقال إنّ ملف إيران يشكّل «صاعق تفجير لحرب طاحنة داخل الحزب الجمهوري»، عازياً ذلك إلى مخالفة برنامج «أميركا أولاً»، بعدما أدخل ترامب البلاد في حروب الشرق الأوسط.
لكنّ الأخطر في كلام بانون كان تحذيره من أنّ الأربعاء، أي في اليوم التالي للانتخابات، سيشهد انفجار حرب طاحنة داخل الحزب الجمهوري. معركة بين تيارين: الأول يمثّله أركان «ماغا» من القوميين، والثاني أصحاب الأموال ومراكز القوى التقليدية. أما عناوين الاشتباك، فستكون: «العلاقة مع إسرائيل، الحرب مع إيران، الهجرة إلى أميركا، والحرب ضد الدولة العميقة»... ولعلّ هذا ما قصده فانس بعد ساعات من إعلان النتائج!
هذه هي أميركا!